فخر الدين الرازي

290

تفسير الرازي

أو من وراء جدر ، وذلك بسبب أن الله ألقى في قلوبهم الرعب ، وأن تأييد الله ونصرته معكم ، وقرئ * ( جدر ) * بالتخفيف وجدار وجدر وجدر وهما الجدار . ثم قال تعالى : * ( بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) * وفيه ثلاثة أوجه أحدها : يعني أن البأس الشديد الذي يوصفون به إنما يكون إذا كان بعضهم مع بعض ، فأما إذا قاتلوكم لم يبق لهم ذلك البأس والشدة ، لأن الشجاع يجبن والعز يذل عند محاربة الله ورسوله وثانيها : قال مجاهد : المعنى أنهم إذا اجتمعوا يقولون : لنفعلن كذا وكذا ، فهم يهددون المؤمنين ببأس شديد من وراء الحيطان والحصون ، ثم يحترزون عن الخروج للقتال فبأسهم فيما بينهم شديد ، لا فيما بينهم وبين المؤمنين وثالثها : قال ابن عباس : معناه بعضهم عدو للبعض ، والدليل على صحة هذا التأويل قوله تعالى : * ( تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ) * يعني تحسبهم في صورتهم مجتمعين على الألفة والمحبة ، أما قلوبهم فشتى ، لأن كل أحد منهم على مذهب آخر ، وبينهم عداوة شديدة ، وهذا تشجيع للمؤمنين على قتالهم ، وقوله : * ( ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) * فيه وجهان : الأول : أن ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون ما فيه الحظ لهم والثاني : لا يعقلون أن تشتيت القلوب مما يوهن قواهم . قوله تعالى * ( كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * . أي مثلهم كمثل أهل بدر في زمان قريب فإن قيل : بم انتصب * ( قريباً ) * ، قلنا : بمثل ، والتقدير كوجود مثل أهل بدر . * ( قريباً ذاقوا وبال أمرهم ) * أي سوء عاقبة كفرهم وعداوتهم لرسول الله من قولهم : كلأ وبيل أي وخيم سيئ العاقبة يعني ذاقوا عذاب القتل في الدنيا * ( ولهم في الآخرة عذاب أليم ) * . ثم ضرب لليهود والمنافقين مثلاً فقال : * ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىءٌ مِّنكَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) * . أي مثل المنافقين الذين غروا بني النضير بقولهم : * ( لئن أخرجتم لنخرجن معكم ) * ( الحشر : 11 ) ثم خذلوهم وما وفوا بعهدهم : * ( كمثل الشيطان إذ قال للإنسان أكفر ) *